من نحن وماذا نريد
مقدمة
في الصفحات القليلة التالية، قمنا بتلخيص مواقف اليسار الشيوعي، الذي ينظم نفسه اليوم تحت مسمى «الحزب الشيوعي الدولي»، والذي تصدر صحيفته الإنجليزية تحت عنوان «الشيوعي الدولي». سيجد القارئ في هذه الصفحات عرضًا موجزًا للعناصر الأساسية للماركسية الثورية، التي تشكل الأساس الوحيد الذي يمكن البروليتاريا من خلاله أن تمتلك حزبًا سليمًا وقويًا.
إن المبدأ والبرنامج اللذين يجسدهما الحزب هما نتاج الانتقاء التاريخي، وليسا من بنات أفكار أي عبقري عاجز. فقد صاغهما التاريخ معًا في كتلة فولاذية واحدة، على مدار صراعات طبقية عاتية ودامية أوجدت طبقة جديدة في منتصف القرن التاسع عشر: البروليتاريا.
الحزب هو مدرسة فكرية ومنهج عمل. ويتألف من المبادئ، والبرنامج، والتكتيكات، والتنظيم. ولا توجد الطبقة العاملة بصفتها تلك إلا بفضل حزبها؛ فبدونه، لا تكون البروليتاريا سوى طبقة بالمعنى الإحصائي.
لا يتوقف وجود الحزب على إرادة القادة العظماء، بل على أجيال من مناضليه الذين يحمون سماته الأساسية بشدة، ويحافظون عليها بحرص، وينفذونها بكل ما تنطوي عليه من آثار عملية. وفي الوقت نفسه، تعتمد قوة الحزب على تطور التناقضات الاجتماعية.ولذلك، فإن الحزب يتقلص في مراحل معينة من التاريخ إلى عدد قليل من المناضلين المثابرين؛ بينما ينمو في مراحل أخرى، ويزيد عدد أعضائه، ويصبح قوة اجتماعية حاسمة في المواجهة النهائية مع نظام رأس المال.
ولهذه الأسباب فإننا نستبعد أن يتمكن الحزب من وضع نفسه في طليعة الجماهير المناضلة مرة اخرى – كما الحال في الفترة المجيدة بين عامي 1917 و 1926 – عن طريق المراوغات التكتيكية، أو الاساليب الدبلوماسية، أو التحالفات العشوائية مع جماعات سياسية يسارية أخرى، أو عن طريق إبداعات غامضة في العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الحزب والطبقة.
كما نستبعد إمكانية أن يزيد الحزب عدد أعضائه من خلال فرض انضباط شكلي لا معنى له، وهو النظير الحتمي لعودة الممارسات الديمقراطية. فاليوم، لم تحظر هذه الممارسات إلى الأبد من صميم منظمتنا فحسب، بل من الدولة والمجتمع ايضًا. فمثل هذه الحيل المضللة تقضي على الحزب كجهاز طبقي، حتى لو ارتفع عدد أعضائه. تكشف هذه المكائد عن توق القادة وشبه القادة الى تحقيق «اختراق» في يأسهم للهروب من المعزل الذي يحبس فيه الحزب الحقيقي، ليس بإرادته بل بفعل ضغوط الثورة المضادة التي انتصرت على نطاق عالمي منذ ما يقارب قرنًا من الزمان، وذلك تحديدًا من خلال تشويه مهام الحزب وطبيعته.
إن التجربة التاريخية بحد ذاتها تقدم أفضل دليل على عدم جدوى مثل هذه المناورات، بل وأكثر من النقد النظري. فلم يتغير توازن القوى بين الطبقات الاجتماعية مطلقًا، على الرغم من أن مختلف التيارات التروتسكية واليساريين من مختلف الأطياف قد دأبوا في كل مكان على الدعوة إلى ضرورة تكيف الحزب مع الظروف ؛ أي تبني سياسات «واقعية» تتغير اتجاهاتها باستمرار.
تكمن أسباب صغر حجم الحزب اليوم، ونفوذه شبه المنعدم على الجماهير البروليتارية، في الصراع الطبقي وفي الاحداث التاريخية. ومن ثم يجب أن نتحلى بالشجاعة الكافية لاستنتاج أنه إمّا يجب التخلي عن للماركسية – ومعها الحزب – أو الحفاظ على الماركسية دون تغيير. وبعد أن استبق اليسار هذا الدرس على المستوى المبادئي، استخلص أيضًا من هذا التثبت المادي والتاريخي درسًا اساسيًا: لا حاجة لإضافة أو تغيير أي شيء. سوف نظل عند موضعنا.
هذه النشرة هي نص صادر عن الحزب الشيوعي الاممي، ومثل جميع نصوصه الأخرى، فإنها تؤكد وتعيد تأكيد المواقف التقليدية لليسار الإيطالي، متجاوزةً الأحداث العرضية المرتبطة بالانتقاء التاريخي العضوي المنظمات الرسمية. وهذا الإطار الموحد المبادئ والممارسة لا يمثله اليوم بالكامل سوى منظمة واحدة، وهي التي تصدر صحيفة «The International Communist» باللغة الانجليزية، و «Il Partito Comunista» باللغة الإيطالية.
ولنعد التأكيد على أننا نتوقع أن يتبع إحياء الحركة الطبقية الثورية اشتدادًا وتطرفًا في النضال الاجتماعي، الذي سينشأ نتيجة لتسارع التناقضات داخل النظام الرأسمالي. سينمو الحزب جنبًا إلى جنب مع هذه التطورات إذا تمكن من الإنخراط في كل نضال بروليتاري – استنادًا إلى مبادئه التي لا تنتهك وبرنامجه الثابت – من أجل توجيهها في آن واحد ضد الإنتهازية الخائنة للأحزاب العمالية الزائفة، وضد النقابية القومية والوطنية، وضد الدولة الرأسمالية والجبهة السياسية البرجوازية.
اليسار وحيد في هذه المعركة، ويعلم أنه سيظل وحيدًا، ليس باختياره، بل لأن هذا هو الدرس الثمين المستمد من الهزائم السابقة للبروليتاريا. ففي تلك الهزائم، لعبت المنظمات والمواقف التي ادعت أنها مستوحاة من البروليتاريا – بل وحتى الماركسية والثورة – الدور الأكثر معاداة للثورة. في الواقع، كانت تمثل مصالح البرجوازية الصغيرة والارستقراطية العمالية، ولكن من داخل معسكر العمال. وكان افعالها دائمًا تتمثل في عرقلة الجبهة البروليتارية أولًا، ثم تقسيمها، وأخيرًا التخلي عنها للعدو.
لقد مر وقت طويل منذ أن قمنا بتسوية الحسابات مع جميع قادة النقابات والأناركيين و«اليساريين» المعاصرين؛ أو بالأحرى، منذ أن قام التاريخ – الذي حطم أعمالهم ومذاهبهم بلا رحمة – بذلك.
نهدي هذا النص القصير قبل كل شيء الى شباب الطبقة العاملة، لكي يتمكن بشجاعته وتضحيته وروحه المميزة، من أن يدير ظهره لإغراءات المجتمع الحديث الوهمية، والأساطير الزائفة حول الديمقراطية والتضامن الوطني، والإصلاحية والتدرجية، من أجل تبني برنامج النضال وللقتال على الجبهة الشيوعية الثورية المجهولة واللاشخصية.
فشبابنا هو من سيقع على عاتقه تحقيق النصر للشيوعية.
برنامج الحزب
1921-1948
الحزب الشيوعي الإيطالي
يناير 1921، مدينة ليفورنو
يتم تشكيل الحزب الشيوعي الأممي على أساس المبادئ التالية، التي أقرت عند تأسيس الحزب الشيوعي الإيطالي (فرع من الأممية الشيوعية) في ليفورنو عام 1921:
- 1. في ظل النظام الاجتماعي الحالي، يتفاقم الصراع بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بوتيرة متزايدة باستمرار، مما يؤدي إلى مصالح متعارضة والصراع الطبقي بين البروليتاريا والبرجوازية الحاكمة.
- 2. تحظى علاقات الإنتاج اليوم بحماية سلطة الدولة البرجوازية: فمهما كان شكل النظام التمثيلي وأساليب توظيف الديمقراطية الانتخابية، تظل الدولة البرجوازية هي الجهاز المكلف بالدفاع عن مصالح الطبقة الرأسمالية.
- 3. لا يمكن البروليتاريا أن تحطم نظام علاقات الإنتاج الرأسمالية الذي يستغلها، ولا أن تغيره، دون الإطاحة العنيفة بالسلطة البرجوازية
- 4. إن الحزب الطبقي هو الجهاز الذي لا غنى عنه في النضال الثوري للبروليتاريا. و الحزب الشيوعي، الذي يضم الجزء الأكثر تقدمًا وحزمًا من البروليتاريا، يوحد جهود الجماهير الكادحة ويحول نضالاتها من أجل مصالح جماعات معينة ومكاسب آنية إلى نضال عام من أجل التحرر الثوري للبروليتاريا. والحزب مسؤول عن نشر النظرية الثورية بين الجماهير، وتنظيم الوسائل المادية للعمل، وقيادة الطبقة العاملة خلال مسار نضالاتها عن طريق ضمان الإستمرارية التاريخية والوحدة الدولية للحركة.
- 5. بعد الإطاحة بالسلطة الرأسمالية، يجب على البروليتاريا أن تقضي تماماً على جهاز الدولة القديم من أجل تنظيم نفسها كطبقة مهيمنة وإقامة دكتاتوريتها الخاصة: أي أنها ستحرم الطبقة البرجوازية والأفراد المنتمين إليها من جميع الحقوق طالما ظلوا موجودين اجتماعيًا، وستؤسس أجهزة النظام الجديد على أساس الطبقة المنتجة وحدها. والحزب الشيوعي، الذي تكمن سمته البرنامجية في هذا الإنجاز السياسي، يمثل دكتاتورية البروليتاريا وينظمها ويوجهها وبشكل حصري.
- 6. ولن تتمكن الدولة البروليتارية من التدخل المنهجي في الاقتصاد الاجتماعي، واتخاذ التدابير التي ستحل بها الإدارة الجماعية الإنتاج والتوزيع محل النظام الرأسمالي، إلا عن طريق القوة
- 7. سيؤدي هذا التحول في الاقتصاد، وبالتالي في الحياة الاجتماعية برمتها، إلى القضاء تدريجيًا على الحاجة إلى الدولة السياسية، التي ستفسح أجهزتها المجال تدريجيًا للإدارة العقلانية للأنشطة البشرية.
الحزب الشيوعي الأممي
مايو 1948
وفيما يتعلق بالعالم الرأسمالي والحركة العمالية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، يستند موقف الحزب إلى النقاط التالية:
- 8. خلال النصف الأول من القرن العشرين، شهد الاقتصاد الرأسمالي ظهور التكتلات الاحتكارية بين أرباب العمل. وجرت محاولات للتحكم في الإنتاج والتبادل وادارتها من خلال التخطيط المركزي، وصولًا إلى ادارة الدولة لقطاعات إنتاجية بأكملها. وعلى الصعيد السياسي، تزايدت قوة الأجهزة الشرطية والعسكرية للدولة، وكذالك الشمولية الحكومية، زيادة ملحوظة. ولا يعد أي من هذه الأنماط الأخيرة نوعًا جديدًا من التنظيم الاجتماعي ذات طابع انتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية، ولا هي أشكال مستعادة من الأنظمة السياسية ما قبل البرجوازية. بل هي اشكال معينة لإدارة السلطة والدولة بطريقة تتسم بمزيد من المباشرة والاحتكار من قبل القوى الأكثر تقدمًا في الرأسمالية.
- 9. أثبتت الحروب الامبريالية أن أزمة تفكك الرأسمالية أمر لا مفر منه. وذلك من خلال ارساء مرحلة حاسمة لم يعد فيها توسع الرأسمالية يعني نموًا مستمرًا في القوى الانتاجية، بل أصبح يعني تناوبًا بين التراكم والدمار. وقد تسببت هذه بسلسلة من الأزمات العميقة التي عصفت بالمنظمات العمالية الدولية، حيث تمكنت الطبقات المهيمنة من فرض التضامن العسكري والوطني عليها، من خلال حملها على الانحياز إلى إحدى جبهات الحرب. ولا يوجد سوى بديل واحد قابل للتطبيق تاريخيًا يمكن طرحه لمواجهة هذا الوضع، وهو إحياء الصراع الطبقي داخل الدول، مما يؤدي الى حرب أهلية تخوضها الجماهير العاملة لإسقاط سلطة الدول البرجوازية في كل مكان، إلى جانب جميع تحالفاتها الدولية، ويكمن الشرط الاساسي لتحقيق ذلك في اعادة تشكيل الحزب الشيوعي الأممي كقوة مستقلة عن أي قوة سياسية أو عسكرية قائمة.
- 10. إن جهاز الدولة البروليتارية، بصفته وسيلة وذراعًا للنضال في فترة انتقالية بين نظامين اجتماعيين، لا يستمد قوته التنظيمية من أي قواعد أو مخططات دستورية قائمة تهدف إلى تمثيل جميع الطبقات. وأكمل مثال تاريخي للدولة البروليتارية حتى الوقت الحاضر هو السوفييتات (مجالس العمال) خلال ثورة أكتوبر عام 1917، عندما سلحت الطبقة العاملة نفسها بقيادة الحزب البلشفي، وعندما تم الاستيلاء على السلطة بوسائل شمولية وتم حل الجمعية التأسيسية، وعندما دار الصراع لصد هجمات الحكومات البرجوازية الأجنبية، وقمع التمرد الداخلي للطبقات المهزومة، والطبقات الوسطى، والأحزاب الإنتهازية – الحلفاء الحتميين للثورة المضادة في اللحظات الحاسمة.
- 11. إن تحقيق الإشتراكية بالكامل أمر لا يمكن تصوره داخل حدود دولة واحدة فقط، ولا يمكن اجراء التحول الإشتراكي دون اخفاقات وانتكاسات مؤقتة. ولا يمكن ضمان الدفاع عن النظام البروليتاري في مواجهة مختطر الانحراف الدائمة إلا إذا تم تنسيق إدارة الدولة البروليتارية بشكل مستمر مع النضال الدولي للطبقة العاملة في كل مكان ضد برجوازيتها واجهزتها الحكومية والعسكرية؛ فلا مجال للتراخي في هذا النضال حتى في أوقات الحرب. ولا يمكن ضمان التنسيق الضروري إلا إذا سيطر الحزب الشيوعي العالمي على سياسات وبرامج الدول التي وصلت فيها الطبقة العاملة الى السلطة.
الدفاع عن الموروث العظيم للماركسية
بناءً على هذا البرنامج، المبين اعلاه، يستعيد الحزب الشيوعي الدولي المبادئ العقائدية الأساسية للماركسية في مجملها: المادية الجدلية باعتبارها مفهومًا منهجيًا للعالم وللتاريخ البشري؛ والمبادئ الاقتصادية الأساسية الواردة في كتاب «رأس المال» لماركس باعتبارها المنهج لتفسير الاقتصاد الرأسمالي؛ والصيغ البرنامجية ل«البيان الشيوعي» باعتبارها خطة تاريخية وسياسية لتحرير الطبقة العاملة العالمية.كما نستعيد نظام المبادئ والأساليب الناشئ عن انتصار الثورة الروسية برمته، أي: العمل النظري والعملي للينين والحزب البلشفي خلال السنوات الحاسمة للاستيلاء على السلطة الحرب الأهلية، والأطروحات الكلاسيكية للمؤتمر الثاني للأممية الشيوعية. وهذا يمثل تأكيدًا واستعادةً وتطويرًا لاحقًا المبادئ المذكورة آنفًا، التي تبرز اليوم بشكل أكثر وضوحًا بفضل الدروس المستخلصة من الموجة التصحيحية المأساوية التي نشأت حوالي عامي 1926-1927 تحت مسمى «الاشتراكية في بلد واحد».
ومع ذلك، فإن ربط هذه الكارثة باسم ستالين ما هو إلا مسألة عرفية، ونحن نفضل بدلًا من ذلك أن نعزوها إلى ضغط القوى الاجتماعية الموضوعية التي التي كانت تهيمن على روسيا بعد أن فشل لهيب ثورة أكتوبر 1917 في الانتشار عالميًا.ولم يدرك إلا بعد فوات الأوان أن هناك حاجة الى حاجز برنامجي وتكتيكي لمقاومة هذا الضغط، وهو حاجز كان من الممكن – حتى لو يتمكن من منع الهزيمة – أن يجعل إعادة إحياء الحركة الشيوعية الأممية أقل صعوبة وعذابًا.
وكانت هذه الموجة الأخيرة من الموجات المضادة للثورة أكثر فتكًا بكثير من الوباء الانتهازي الأولي (الإنحرافات الاناركية) الذي أدى إلى اضطراب الوجود القصير ل«الأممية الأولى» وأكثر خطورة بكثير حتى من الأضرار التي ألحقتها «الأممية الثانية» عندما غرقت في مستنقع الانضمام إلى «الاتحاد المقدس» ثم إلى الحرب الامبريالية عام 1914 (التدرجية، البرلمانية، الديمقراطية). واليوم تبدو حالة الحركة العمالية أسوأ بالف مرة مما كانت عليه بعد الانهيار المذهل للأممية الثانية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى.
أعادت «الأممية الثالثة»، التي تأسست عام 1919، ترسيخ المبادئ الأساسية للعقيدة الماركسية من خلال برنامج أحدث قطيعة نهائية مع الأوهام الديمقراطية والتدريجية والبرلمانية والسلمية التي كانت سائدة في «الأممية الثانية» (التي غرقت في أعماق الشوفنية الأكثر خسة والتحريض على الحرب أثناء الحرب العالمية الأولى). كانت «الأممية الثالثة» مساهمة تاريخية هائلة من لينين وتروتسكي والحرس القديم البلشفي؛ لكن مع ذلك، منذ نشأتها الأولى، كانت الأممية الثالثة، بمعنى ما، تقف على أرضية هشة. ويرجع ذلك الى الطريقة المتسرعة التي اتبعتها في تشكيل الأحزاب الشيوعية، وإلى التكتيكات مفرطة المرونة التي اعتمدتها من أجل «كسب الجماهير».
ولكن، على الأقل فيما يتعلق بصانعي أكتوبر الأحمر، فإن هذا النهج وهذه التكتيكات لم تعنِ، ولا ينبغي اعتبارها تعني، التخلي عن المبدأ الأساسي المتمثل في الاستيلاء على السلطة بالقوة، وتدمير جهاز الدولة البرجوازي البرلماني والديمقراطي، أو إقامة دكتاتورية البروليتاريا بقيادة الحزب. وفي الواقع، ربما ما كان تطبيق تكتيكات الأممية الثالثة ليحدث كل هذا الضرر لو أن الثورة، كما كان يؤمل، انتشرت بسرعة إلى بقية أنحاء العالم؛ لكن، كما حذر اليسار منذ المؤتمر الثاني عام 1920 فصاعدًا، كان هناك خطر حدوث عواقب سلبية للغاية في حال انحسار الموجة الثورية. وكان السبب في ذلك أن مجموعة الأحزاب المنضوية تحت راية الأممية الجديدة كانت شديدة التقلب، حيث تم تشكيلها بغاية العشوائية، ونتيجةً لذلك لم تكن محصنةً بما يكفي ضد احتمال الانتكاس إلى الديمقراطية الاجتماعية بمجرد انحسار الموجة الثورية. ولسوء الحظ كان هذا بالضبط ما حدث، فلم يقتصر الأمر على ظهور الشعب فحسب، بل ظهرت ايضًا الأمراض السرطانية التي كانت سائدة في الماضي القريب جدًا.
بين عامي 1920 و1926 أصر اليسار على ضرورة وضع برنامج واحد وخطة تكتيكية واحدة تتبناها جميع فروع الأممية، وحذر من مخاطر تطبيق «البرلمانية الثورية» في الغرب، حيث كانت الديمقراطية قائمة منذ أكثر من مائة عام. والأهم من ذلك أنه عارض تكتيك «الجبهة السياسية الموحدة» ثم تكتيكات ما يسمى ب«الحكومات العمالية (والعمالية ـ الفلاحية)» لأنه رأى أن هذه الصيغ تقوض صيغة «دكتاتورية البروليتاريا» الواضحة التي لا لبس فيها. وقد شجب سياسية السماح بالانضمام المباشر إلى الأممية لمنظمات مستقلة عن الحزب الشيوعي المحلي، وقبول الأحزاب المتعاطفة. ورفضت ممارسة التسلل إلى الأحزاب العمالية الزائفة، وخاصةً الأحزاب البرجوازية (مثل الكومينتانغ). وبالمثل، رفضت «التكتلات» الأسوأ من ذلك، حتى المؤقتة منها، مع الأحزاب المزعومة ذات التوجه المشابه، أو تلك التي تتوافق بشكل عرضي مع مواقف «مشابهة» ظاهريًا فحسب.
كان المعيار الذي ألهم اليسار وأدى إلى ظهور هذه المواقف، ولا يزال، هو التالي: إن تعزيز الأحزاب الشيوعية لا يعتمد على المناورات التكتيكية أو على مظاهر الإرادة الذاتية، بل على الحقيقة الموضوعية المتمثلة في سير عملية ثورية لا يدعوها شيء إلى الامتثال لقواعد عملية مستمرة وخطية. قد يكون الاستيلاء على السلطة قريبًا أو بعيدًا، ولكن في كلتا الحالتين – وقبل كل شيء في الحالة الأولى – فإن الاستعداد له (وإعداد طبقة أكبر أو أصغر من البروليتاريا له) يعني تجنب أي إجراء من شأنه أن يؤدي إلى انزلاق المنظمة الشيوعية إلى انتهازية مماثلة لما حدث في الأممية الثانية. أي قطيعة في الرابطة التي لا تنفصم بين الوسائل والغايات، والتكتيكات والمبادئ، والأهداف الفورية والنهائية، مما يؤدي حتمًا إلى العودة إلى الانتخابية والديمقراطية في السياسة، وإلى الإصلاحية في المجال الاجتماعي.
ابتداءً من عام 1926 فصاعدًا انتقل الصراع مباشرةً إلى المستوى السياسي وانتهى بانشقاق بين منظمة الأممية واليسار. وكانت المسألتان المطروحتان هما «الاشتراكية في بلد واحد» ثم بعد ذلك بوقت قصير «مناهضة الفاشية». «الاشتراكية في بلد واحد» هي في الواقع نفي مزدوج للينينية: أولًا، إنها تزور ما عرفه لينين بوضوح بأنه «التنمية الرأسمالية على النمط الأوروبي في روسيا البرجوازية الصغيرة والقرون الوسطى» وتقدمه على أنه اشتراكية؛ وثانيًا، أنها تفصل مصير الثورة الروسية عن مصير الثورة البروليتارية العالمية. إنها عقيدة الثورة المضادة. داخل الاتحاد السوفيتي، استخدمت هذه العقيدة لتبرير القمع الموجه الحرس القديم الماركسي والأممي، بدءًا من تروتسكي، بينما خارج حدوده ساعدت على سحق التيارات اليسارية على يد الفصائل الوسطية، التي غالبًا ما كانت تنحدر بوضوح من الديمقراطية الاجتماعية، و«في خضوع تام البرجوازية» (تروتسكي).
كان المظهر الرئيسي للتخلي عن النقاط البرنامجية الأساسية للنضال الشيوعي العالمي هو استبدال شعار «الإستيلاء الثوري على السلطة» بشعار «الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة الفاشية»؛ وكأن كلا النظامين لن يلتزما دائمًا بهدفهما المشترك المتمثل في الدفاع عن النظام الرأسمالي في مواجهة خطر موجة ثورية بروليتارية جديدة، ويتناوبان على قيادة الدولة وفقًا للمتطلبات الملحة لديناميكيات الصراع الطبقي. هذه الظاهرة، بعد سقوط الحصن الألماني بفوز هتلر عام 1933, لم تجد تعبيرًا عنها في الأممية الثالثة فحسب، بل أيضًا في أوساط المعارضة «التروتسكية» التي – حتى وإن كانت تتحدث عن الديمقراطية باعتبارها «مرحلة» أو «فترة» لا بد من اجتيازها قبل أن يتم تلبية المطالب الكاملة للبروليتاريا الثورية – كانت مع ذلك، تستخدم نفس شعار الدفاع عن الديمقراطية ضد الفاشية الذي استخدمه الستالينيون. وفي كلتا الحالتين، أدى ذلك إلى تدمير الطبقة العاملة كقوة سياسية متميزة ذات أهداف متناقضة مع أهداف جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى؛ فقد تم تعبئة العمال في مختلف البلدان أولًا للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية، ثم الدفاع عن «الوطن»، مما أدى إلى إحياء الكراهيات الشوفنية وتأجيجها. وأخيرًا، تم حل الأممية الشيوعية رسميًا وتلاشت مؤقتًا أي رغبة في اعادة بنائها.
وبما أن الطبقة العاملة أصبحت الآن مقيدة بعربة الحرب الإمبريالية الدموية في الفترة 1939-1945، فإن الثوى الضئيلة للشيوعية الدولية والأممية – حيثما نجت – لم تكن قادرة على التأثير في الوضع بأي شكل من الأشكال: وأصبح نداء «تحويل الحرب الإمبريالية الى حرب أهلية» – الذي انطلق لأول مرة في عام 1914 وكان نذيرًا بالثورة الروسية عام 1917 – يلقى الآن آذانًا صماء، محط احتقار وازدراء. في فترة ما بعد الحرب، لم تتحقق الآمال «الساذجة» في توسع شيوعية الثورية على رؤوس الحراب الروسية فحسب، بل سادت أيضًا «نزعة وزارية جديدة» كانت أسوأ حتى من تلك التي كان يتبناها الجناح اليميني في الأممية الثانية. وكان الأمر أسوأ بشكل خاص لأنها مورست في الفترة الأصعب من إعادة البناء الرأسمالي: إعادة بناء فضلت سلطة الدولة (نزع شلاح البروليتاريين في الوحدات الحزبية) و إنقاذ الاقتصاد الوطني (قروض إعادة البناء، وقبول تدابير التقشف باسم «المصالح العليا» للأمة إلخ…). وفي وقت لاحق في «الديمقراطيات الشعبية» كان التوجه لصالح إعادة تأسيس نظام يقدم على أنه «سوفيتي» (برلين، بوزنان، بودابست) هو السائد.
ولكن بمجرد أن لم يعد تعاونها الصريح في قيادة الدولة مطلوبًا، أصبحت الأحزاب «الشيوعية» التابعة للكرملين تدفع إلى هامش «معارضة» برلمانية محض، مدفوعة إلى هناك من قبل حلفاء الحرب و«السلام» في عالم يتزايد فيه تشدد أنظمة الشرطة والفاشية. ولكن بعيدًا عن إعادة اكتشاف «الطريق الرئيسي» للينين (وهو أمر ما استطاعوا فعله ولو ارادوا)، غرقوا أعمق فأعمق في هاوية التحريفية الشاملة، ووصلوا أخيرًا إلى الحضيض في السنوات الأخيرة، حيث لم يعودوا يتنبؤون ولا يدعون إلى نهاية الرأسمالية – التي تعظم الآن تحت شكل التجارة الدولية – أو نهاية البرلمانية البرجوازية، التي أصبح الواجب على العكس من ذلك، الدفاع عنها ضد هجمات البرجوازية، التي كانت بحاجة إلى تذكيرها بماضيها «المجيد». وفي النهاية، تم التخلي حتى عن التظاهر بوجود صراع بين المعسكرين «الاشتراكي» و«الرأسمالي» – وهو المستوى التافه الذي خفضت إليه الستالينية الصراع الطبقي – لإفساح المجال لشعار «التعايش والمنافسة السلمية!» على نطاق دولي.
وأخيرًا، بعد أن أصبحت عاجزة عن تحمل كلمة «شيوعي» التي أثقلت كاهلها لفترة طويلة؛ قامت هذه الأحزاب بتغيير أسمائها.
إن النتيجة الحتمية ل«التعايش» والمواجهة الاقتصادية لا يمكن أن تكون سوى التصفية الكاملة الستالينية. لذلك لم يكن التخلي التام لدول الكتلة الشرقية عن الستالينية مفاجأة بالنسبة لحزبنا؛ بل إننا كنا قد توقعنا ذلك باعتباره الخطوة الحتمية والنهائية للتغلب، على الصعيد الاقتصادي، على انعزالها عن السوق العالمية؛ ولتتجاوز تلك الاكتفائية الضرورية في البلدان المتخلفة لتطوير صناعتها الرأسمالية الوطنية إلى الحد الذي يمكنها من منافسة الإنتاج الصناعي للقوى الرأسمالية القديمة.
لم تعد روسيا الآن تتظاهر بأنها «اشتراكية» بل أصبحت دولة رأسمالية بالكامل، حيث تحول جميع منتجيها إلى بروليتاريين، وتكتسي كل القذارة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية التي تتسم بها الديمقراطية الرأسمالية الحقيقية. أدت الخيانة الستالينية للشيوعية وما تبعها من تواطؤ مع الرأسمالية الغربية الفاسدة إلى تحويل الثورة الشيوعية لعام 1917 التي هزت العالم، من مجد متقد إلى رماد بارد؛ لكنها في الوقت نفسه انتزعت روسيا من جمودها شبه الإقطاعي من خلال تنفيذ – بالنار والسيف وجميع الفظائع الحتمية المصاحبة لذلك – تراكمها الرأسمالي البدائي. لقد فشلت المحاولة الروسية بإضفاء صبغة الاشتراكية لإخفاء الرأسمالية الصريحة. إن سيادة شكل الإنتاج الأخير في كل ركن من أركان البلاد، بدلًا من أن تكون دليلًا على هزيمة الشيوعية، هي على العكس أفضل الظروف لانتصارها في المستقبل.
ولكن من أعماق الهاوية، وترقبًا لانتعاش بروليتاري في المستقبل، يرتفع النداء: «يا عمال العالم – اتحدوا!» و«دكتاتورية البروليتاريا!» هذا هو نداؤنا.
____________________________________________________________________________
من أجل إحياء النظرية الماركسية الثورية
العودة إلى «نظرية الكوارث»
من حيث المبدأ العام للثورة التاريخية والاجتماعية، فقد انحطت الحركة الشيوعية القديمة الآن إلى درجة أنها ترفض الرؤية «الكارثية» لماركس: فليس تضاد المصالح الطبقية ولا الصراعات بين الدول – كما يقولون – ما سيؤدي إلى الصراع العنيف أو النزاعات المسلحة. في الأساس أيدوا احتمال تحقيق سلام دولي، أُطلق عليه اسم «التعايش السلمي»، إلى جانب سلام اجتماعي تضمنه شعار «الديمقراطية الجديدة» المحافظ والرجعي، والذي سيقوم على «التخطيط الديمقراطي» و «الإصلاحات الهيكلية» و «النضال ضد الأحتكارات». في الواقع، كانت «الشيوعية» الستالينية، ولاسيما ما بعد الستالينية، مجرد دفاع عن «التقدم» في تمجيدها لنمو الإنتاج والإنتاجية، ودفاعًا عن الرأسمالية في تمجيدها لنمو التجارة
واليوم، في الوقت الذي أفسح فيه «التعايش السلمي» المجال لوضع دولي متقلب يسعى إلى إيجاد تسويات جديدة في ضوء الصراع العالمي المقبل؛ لم يعد بالإمكان التمييز بين الأحزاب الإنتهازية التي تزعم تمثيل الطبقة العاملة، حتى من الناحية الشكلية، وبين الأحزاب التي تصف نفسها بأنها «يمينية».
في مقابل هذا التنوع الهائل في المواقف، يظل الموقف الماركسي ثابتًا: في ظل الرأسمالية، ينطوي نمو الإنتاج والإنتاجية على استغلال متزايد للعمالة من قبل رأس المال، وزيادة لا حصر لها في الجزء غير المدفوع من العمل، أي القيمة الزائدة. قد يزداد استهلاك العمال، أي «صندوق الاحتياط» الذي تخلقه الطبقة العاملة لنفسها على الصعيدين الفردي والاجتماعي (التأمين ضد المرض والشيخوخة، وتشريعات الأسرة، وما إلى ذلك)، لكن في الوقت نفسه يزداد خضوع المنتجين لرأس المال، وتصبح ظروف معيشتهم أكثر هشاشة بسبب تقلبات اقتصاد السوق. ولا يتضاءل التناقض الطبقي؛ بل على العكس، يُدفع إلى أقصى حدوده.
إن توسع التجارة يعني توسيع سيطرة البلدان المتقدمة على البلدان النامية، فضلًا عن تأجيج المنافسة الطبيعية بين البلدان المتقدمة نفسها. من خلال جمع الشعوب المختلفة والقارات المختلفة في شباك اقتصاد عالمي متزايد – وهو غزو حقيقي، وإن كان غير مقصود – فإن للتجارة الدولية تُظهر بشكل جدلي جانبًا «سلبيًا» يتظاهر المدافعون عنها بالجهل به. فهي تمهد الطريق للأزمات التجارية والمالية والصناعية التي لا يمكن أن تكون نتيجتها سوى حرب امبريالية، وهي نفسها اليوم كما كانت بالأمس. علاوةً على ذلك، يُهدر اليوم جزء متزايد من القوى الإنتاجية، ليس فقط في إنتاج السلع والخدمات التي من شأن «التجارة المتبادلة المنفعة» و«التجارة النزيهة» (اللتان تعتز بهما قلوب الانتهازيين من الشرق والغرب على حد سواء) أن تمنحهما للبشرية جمعاء، بل في انتاج أسلحة مدمرة تكون وظيفتها اقتصادية (قطاع تراكم لامتصاص الفائض الإنتاجي) أكثر منها عسكرية.
الرأسمالية هي التكاثر اللامتناهي لرأس المال؛ والغاية من الإنتاج الرأسمالي هي رأس المال بحد ذاته. إن زيادة إنتاج السلع بما يتجاوز أي حدود طبيعية وبسرعة جنونية لا تولد رفاهية أفضل للبشرية، بل تولد سلسلة من الأزمات الكارثية الناجمة عن الإفراط في الإنتاج، والتي تجتاح الحياة الاجتماعية في جميع أنحاء الكوكب. والطبقة العاملة هي الضحية الأولى لمثل هذه الأزمات – التي أنكرها المنظرون البرجوازيون لعقود، واعتبرتها الماركسية أمرًا لا مفر منه – حيث تتحمل عبء البطالة وخفض الأجور وتكثيف أعباء العمل.
الحرب أمر لا مفر منه بالنسبة للرأسمالية؛ فهي النتيجة الحتمية لأزمات الإفراط في الإنتاج الدورية التي يعاني منها رأس المال. ولا يسمح الرأسمالية باستئناف دورتها الجهنمية المتمثلة في إعادة البناء والتراكم إلا ذلك الدمار الهائل الذي تخلفه الحروب العالمية الحديثة. إن الحروب العالمية الإمبريالية في عصرنا هذا – على الرغم من أنها تخفى دائمًا وراء ستائر «إنسانية» و«ديمقراطية» و«سلمية» و«دفاعية» و«مكافحة الإرهاب» – هي حاجة ماسة لمختلف الأنظمة الرأسمالية لتقاسم الأسواق المستنفدة، وتقسيم القارات فيما بينها. لذلك فهي حروب من أجل الحفاظ على الرأسمالية؛ سواء على الصعيد الاقتصادي أو من حيث أنها توفر، خلال الأزمات، التخلص من جزء من القوة العاملة الذي يتجاوز القدرة المتضائلة لنظام الإنتاج على توظيفه. إنها مذابح هائلة للعبيد الذين لا يستطيع رأس المال إعااتهم في تلك اللحظة. إما الحرب أو الثورة – لا يوجد طريق آخر.
يتمثل الموقف الشيوعي الثوري تجاه الحرب في إدانة فكرة توافق السلام مع الرأسمالية باعتبارها وهمًا مأساويًا، والتأكيد على أن الإطاحة بالسلطة البرجوازية وتدمير علاقات الإنتاج القائمة على رأس المال هما وحدهما اللذان سيحرران البشرية من هذه المأساة المتكررة. وعلى خطى ماركس ولينين، يعلن الحزب عن تكتيكات: مناهضة العسكرة الطبقية، والتآخي على الجبهات, والانهزامية الثورية في الجبهة والمخلف؛ والتي تهدف إلى تحويل الحرب بين الدول إلى حرب بين الطبقات.
نظرًا للتناقض الجوهري الذي يبطل صحة جميع الحركات السلمية القانونية والمتعدية للطبقات (التي تدين الحرب، ولكن فقط في حدود النظام الحالي)، فإن الشيوعية تتوقع – نظرًا للأصل البرجوازي لهذه الحركات – أنها كلما أجبرت على الاختيار بين الحرب والثورة، فإنها ستختار الأولى دون استثناء. و نحن على غرار لينين، نعتبرها عاملًا من عوامل الإرباك، تضر بالتوجه القتالي السليم للبروليتاريا، وأداة مساعدة للعسكرة تستخدم لجر العمال إلى الحرب. في واقع الأمر فإن السلميين هم – بعد أن يلقوا باللوم على «المعتدي» الحالي في تلك الفظائع المرتكبة ضد المدنيين التي تتسبب بها الحروب الامبريالية دائمًا ودون استثناء – من ينتهي بهم الأمر بالذهاب إلى الدول البرجوازية ومطالبتها «بوضع حد لذلك بأي وسيلة»، ومن يطلبون من البروليتاريين ذبح بعضهم بعضًا باسم المثل الزائفة ل«السلام» و«الديمقراطية» و«الحضارة» إلخ.
عند التعامل مع الحجج الإصلاحية الأكثر تقليدية التي طرحها التيار ما بعد الستاليني، تظل المواقف الماركسية الثورية كما كانت في ذروة عصر الديمقراطية الاجتماعية: فالرأسمالية الحديثة لا تتسم على الإطلاق ب«انعدام التخطيط» (كان إنجلز قد أدرك ذلك بالفعل!). وعلى أي حال فإن «التخطيط» وحده، أيًا كان نوعه، لا يكفي بأي حال من الأحوال لتعريف الإشتراكية. وحتى اختفاء (سواء كان ذلك صحيحًا إلى حد ما أم لا) الجانب الاجتماعي للرأسمالية، الذي يزعم أنه يميز المجتمع الروسي، لا يكفي لإثبات أن الرأسمالية نفسها قد ألغيت (وقد أدرك ماركس ذلك بالفعل!). فالرأسمالية في نهاية المطاف، ليست سوى اختزال العامل المعاصر إلى مرتبة العامل المأجور؛ وحيثما وجدت عمالًا مأجورين وجدت الرأسمالية.
إن الجمع بين الدفاع عن الرأسمالية والإصلاحية من النوع الاشتراكي الديمقراطي القديم، الذي يميز «الشيوعية» على النمط الروسي والصيني (وهي أسوأ حتى من الإصلاحية التقليدية)، يرتبط بنزعة انهزامية – بقدر ما هي انعكاس نفسي وأيديولوجي لتفكك القوى الثورية للبروليتاريا – حتى التمرد الذي أثارها هي نفسها في طبقات عمالية معينة. وتتمثل هذه الإصلاحية الجديدة والأكثر خطورة، في المقام الأول، في إنكار قدرة الطبقة العاملة على التغلب على المنافسة المتصاعدة التي تفرقها في الوقت الحاضر، وإنكار قدرتها على التمرد ضد استبداد الاحتياجات التي أوجدها الإزدهار الرأسمالي، وإنكار قدرتها على الهروب من التخلف الذهني الناتج عن التنظيم البرجوازي للرفاهية، والترفيه، و«الثقافة»، وإنكار قدرتها على تشكيل حزبها الثوري الخاص. ثانيًا فإنه ينطوي (صراحةً أو ضمنًا) على أن الأسلحة الجديدة التي تمتلكها الطبقة الحاكمة قد جعلتها بطريقة ما أكثر مناعةً مما كانت عليه من قبل. أما نحن، فإننا مقتنعون بأن قوة الرأسمالية ليست سوى مرحلة عابرة في التاريخ؛ ولذلك نرفض كل تلك المواقف، التي تعادل التخلي عن كل أمل ثوري أمام رأسمالية كلية القدرة.
نجد نفس المواقف الانهزامية في جميع حقب الارتداد السياسي والاجتماعي، أي الاحترام الخرافي للقوة العسكرية للعدو، الذي حاربه انجلز بالفعل في عصر البنادق والمدافع «التقليدية»؛ والازدراء والاحتقار السطحيين ل«بلادة» العمال و«جهلهم» و«افتقارهم إلى المثالية»، وهو ما حاربه لينين وجميع المناضلين الثوريين. لكن كل عصر يخلق اسبابه الملحة الخاصة التي تدفعه إلى تصديقها (القنابل الذرية و الهيدروجينية أو، كما عبر ماركوز، القوة المفسدة بشكل ميؤوس منه ل«المجتمع الاستهلاكي».
وتعد وسائل الإعلام الجماهيرية القوية اليوم أداة أساسية في هذا الترهيب الأخلاقي، حيث تكرر بشكل مهووس أن المجتمع الحالي هو «الشر الأقل».
تظل المواقف الماركسية بشأن هذه القضايا أيضًا كما هي دون تغيير: فقد تقسم الرأسمالية البروليتاريا، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تركيزها وتنظيمها – وفي النهاية يغلب التركيز على الانقسام. وقد تفسد الرأسمالية البروليتاريا وتضعفها، لكنها مع ذلك، رغمًا عنها، توفر تعليمًا ثوريًا سواءٌ شاءت أم أبت؛ وفي النهاية يغلب هذا التعليم على الفساد. وبالفعل، فإن جميع المنتجات المتطورة ل”صناعات المتعة” عاجزة بنفس القدر عن تهدئة التوتر المتزايد في الحياة الاجتماعية (سواء في الريف أم في المدن)، تمامًا كما هي الحال مع جميع المهدئات التي يوفرها الطب الحديث عندما يتعلق الإمر باستعادة الإنسان الرأسمالي لعلاقاته المتناغمة مع نفسه ومع الآخرين، والتي تدمرها «الحياة الحديثة»؛ أي الحياة الرأسمالية. ومع ذلك فإن قوة رأس المال تكمن، اليوم كما في الأمس، في سحق المنتِج بطول يوم العمل، وأسبوع العمل، وسنة العمل، وحياة العمل، أكثر بكثير مما تكمن في تلك الأنواع من الفساد. لكن رأس المال، بحكم الضروف، مضطر تاريخيًا إلى الحد من هذه المدة. وهو يفعل ذلك ببطء وعلى مضض، مع تراجع مستمر، لكنه لا يستطيع تجنب القيام بذلك، وستكون آثار ذلك، كما رأى ماركس وانجلز، ثورية بالضرورة، خاصةً بالنظر إلى أنه مضطر في الوقت نفسه إلى تثقيف (في نفس الوقت يُغبي) «حفاري قبوره» المستقبليين.
لذا، سواء كان الاحتمال هو اندلاع أزمة على غرار أزمة عام 1929 من شأنها أن تعيد «العامل الذي أصبح برجوازيًا» اليوم الى حالة البروليتاريا، أو احتمال دخول مرحلة تاريخية طويلة من التوسع و«الازدهار»، فإن الجدلية ذاتها المجتمع الحالي تمنع أي شخص لا يمارس الانهزامية علنًا من أن يستنتج (كما يفعل الماويون والكاسترويون والغيفاريون غبرهم، من وجهات نظر مختلفة) من حالة الفوضى التي تعاني منها الطبقة العاملة إدانةً تاريخية قاطعة، وعجزًا «محددًا اجتماعيًا» عن إعادة تشكيل الحزب والمنظمة الأممية للطبقة العاملة، وبالتالي الحاجة إلى طبقات اجتماعية أخرى أو فئات اجتماعية (الفلاحون والطلاب وما إلى ذلك) لتحل محلها في طليعة الثورة الاجتماعية.
والأمر الأكثر سخافة هو الاعتقاد القائل بأنه، بسبب القوة الاجتماعية الأكبر التي يمنحها تطور الرأسمالية نفسه للطبقة المأجورة، فإن هذه الأخيرة تصبح عاجزة وغير قادرة على تحقيق الواجب الأولي لأي ثورة اجتماعية تاريخية: نزع سلاح العدو الطبقي من خلال الاستيلاء الشمولي على إمكانياته العسكرية.
العودة إلى «الشمولية» الثورية
على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، يتحقق الانتصار النهائي الديمقراطية على المذهب الثوري للحركة الشيوعية القديمة عندما تُقدَّم «مقاومة الشمولية» باعتبارها مهمة البروليتاريا وجميع الطبقات الاجتماعية المضطهدة من قبل الرأسمالية.
وقد أثَّر هذا الاتجاه، الذي كان أول مظاهره التاريخية هي الحركة المناهضة للفاشية (بصيغتها الحربية وقبل الحربية على حد سواء), على جميع الأحزاب المرتبطة بموسكو (وكذلك على أحزاب انشقت عنها كما في الصين), وانتهى به الأمر إلى إنكار دور الحزب الواحد – وهو شكل لا شك في أنه لينيني وشيوعي في أصله – بصفته المرشد الثوري الضروري والقيادة اللازمة لدكتاتورية البروليتاريا. بينما في «الديمقراطيات الشعبية» كانت السلطة في أيدي «الجبهة» الشعبية والوطنية، أو في أيدي أحزاب أو «اتحادات» تجسد صراحةً كتلة من عدة طبقات. وفي الوقت نفسه، تخلت الأحزاب «الشيوعية» العاملة في «المعسكر البرجوازي» رسميًا عن المبدأ القائل بأن العنف الطبقي الثوري هو السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة، وأنكرت حقيقة أن الوسيلة الوحيدة للحفاظ على دكتاتورية الطبقة هو من خلال الحزب الشيوعي وحده. بدلًا من ذلك، أخذوا يتملقون الأحزاب الأخرى (الاشتراكيين والكاثوليك وغيرهم)، من خلال الدخول في «حوارات» معهم، والوعد ب«اشتراكية» تدار بشكل مشترك من قبل عدة أحزاب تمثل «الشعب». هذا الاتجاه، الذي يلقى ترحيبًا حارًا من قبل جميع أعداء الثورة البروليتارية (ف«الشيوعية» الستالينية ترفض كل ما يذكرهم بمجد أكتوبر الأحمر), ليس انهزاميًّا فحسب، بل هو وهمٌ أيضًا.
وكما أن البروليتاريا لا تطالب بأي حرية لنفسها في ظل النظام الاستبدادي لرأس المال، وبالتالي لا تتجمع تحت راية الديمقراطية «الشكلية» أو «الحقيقية»، فإنها، بمجرد إقامة نظامها الاستبدادي الخاص، ستشرع في قمع جميع حريات الفئات الاجتماعية المرتبطة برأس المال، وسياوين؛ فالصراع هو صراع آراء وليس صراع قوى مادية واجتماعية تفصل بينها تناقضات مستعصية. ولكن بينما تخفي البرجوازية دكتاتوريتها تحت عباءة الديمقراطية، فإن الشيوعيين، الذين منذ زمن البيان «ازدروا إخفاء آرائهم وأهدافهم»، يعلنون صراحةً أن الإستيلاء الثوري على السلطة، باعتباره مقدمة ضرورية للتجديد الاجتماعي، يعني في الوقت نفسه الحكم الشمولي للطبقة المقهورة سابقًا، كما يتجسد في حزبها، على الطبقة المهيمنة سابقًا.
«مناهضة الشمولية» هي شعار الطبقات التي تقع على نفس الأساس الاجتماعي للطبقة الرأسمالية (الاستيلاء الخاص على وسائل الإنتاج والمنتجات نفسها), لكنها مع ذلك تتعرض دائمًا للسحق على يدها. إنها أيديولوجية – المشتركة بين الحركات المتنوعة ل«المثقفين» و«الطلاب» التي تغزوا الساحة السياسية الحالية – البرجوازية الصغيرة الحضرية والريفية والطبقات الوسطى التي تتشبث يائسة بالأساطير المدانة تاريخيًا المتمثلة في الإنتاج الصغير، وسيادة الفرد، و«الديمقراطية المباشرة». وهي بالتالي برجوازية ومناهضة للتاريخ في آن واحد، وبالتالي فهي معادية للبروليتاريا بشكل مزدوج. إن انهيار البرجوازية الصغيرة تحت ضربات مطرقة الرأسمالية الكبرى أمر حتمي تاريخيًا، ويشكل، من الناحية الاجتماعية – على الطريقة الرأسمالية، بوحشية وبطء في آن واحد – خطوة نحو الإشتراكية، من حيث أنه يحقق المساهمة التاريخية الحقيقية الوحيدة الرأسمالية: مركزية الإنتاج، واجتماعية النشاط الإنتاجي.
بالنسبة للبروليتاريا، فإن العودة إلى أشكال إنتاج أقل تركيزًا (حتى لو كان ذلك ممكنًا) لا يمكن إلا أن تعني الابتعاد عن هدفها التاريخي المتمثل في تحقيق إنتاج وتوزيع اجتماعيين بالكامل. لذلك فهي لا تعتبر من واجبها الدفاع عن البرجوازية الصغيرة ضد «الشركات الكبرى» (وكلاهما عدوان للاشتراكية على حد سواء) ولا تبنّي التعددية و «التعددية المركزية» في السياسة، التي لا يوجد سبب يدعوها لقبولها سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.
وكما كان شعار «النضال ضد الاحتكارات» دفاعًا عن الإنتاج الصغير رجعيًا ولا يزال، كذلك فإن الرد البرجوازي الصغير الخاطئ تجاه انحلال الثورة الروسية المرتبط بذلك الشعار هو أيضًا رجعي. بالنسبة لنا، كان سبب الانحلال هو الفشل في نشر الثورة البروليتارية و توسيع نطاقها، والتخلي عن الأممية الشيوعية، بينما بالنسبة البرجوازية الصغيرة، كانت الثورة فاشلة منذ البداية لأنها كانت معادية الديمقراطية، ولأنها أقامت دكتاتورية بروليتارية. ترى جميع الحركات الرجعية الطبقات الوسطى – المتساوية في رجعيتها – أن العملية الثورية تتمثل في الاستيلاء التدريجي على جزر صغيرة من “السلطة” الهامشية من قبل كيانات بروليتارية منظمة في أماكن العمل (ومحكومة بها)؛ هذه هي «الديمقراطية المباشرة» الخيالية (كما في النظرية الغرامشية والأوردينوفية لمجالس المصانع). إنهم يتجاهلون المشكلة المركزية المتمثلة في الاستيلاء على السلطة السياسية، وتدمير الدولة الرأسمالية، والحاجة إلى الحزب باعتباره الجهاز المركزي الطبقة العاملة. وبالنسبة لآخرين، فإن كل ما يلزم لتحقيق “الاشتراكية” هو شبكة من المؤسسات “ذاتية الإدارة” لكل منها خطتها الخاصة التي يتم التوصل إليها من خلال “قرارات من القاعدة” (نظرية «الإدارة الذاتية» اليوغوسلافية). هكذا ينفي منظرو البرجوازية الصغيرة تمامًا إمكانية «الإنتاج الاجتماعي الذي ينظمه التخطيط الاجتماعي »، الذي أظهر ماركس أنه «الإقتصاد السياسي للطبقة العاملة»، والذي لا يصبح ممكنًا إلا بتجاوز الوحدات الإنتاجية الأساسية و«الحكم الأعمى» للسوق، الذي يرون فيه العنصر الرابط الوحيد، الفوضوي وغير القابل للتنبؤ.
قبل الاستيلاء على السلطة وبعده, في السياسة كما في الاقتصاد، لا تقدم ، ولا يمكنها أن تقدم، أي تنازلات لمناهضة الشمولية؛ تلك النسخة النسخة الجديدة من «مناهضة السلطوية» المثالية والطوباوية، التي ندد بها ماركس وانجلز في جدالهما الطويل مع الاناركيين، والتي أظهر لينين، في كتابه «الدولة والثورة»، أنها تتقارب مع الإصلاحية التدريجية والديمقراطية. ومع ذلك، سيتلقى صغار المنتجين من البروليتاريا الاشتراكية معاملة مختلفة تمامًا عن التي لقوها في ظل الرأسمالية، التي عاملت هذه الطبقة على مدار تاريخها بأقصى درجات الوحشية. أما تجاه الإنتاج الصغير نفسه، وانعكاساته السياسية والأيديولوجية والدينية، فسيكون عمل البروليتاريا أكثر حسمًا وسرعة، وباختصار، أكثر شمولية بشكل لا حد له. ستنقذ دكتاتورية البروليتاريا البشرية من الكم اللامتناهي من العنف والبؤس اللذين يشكلان في ظل الرأسمالية “خبزها اليومي”. وستتمكن من القيام بذلك بالضبط لأنها لا تتردد في استخدام القوة والترهيب، وإذا لزم الأمر، القمع الأكثر حسمًا ضد أي فئة اجتماعية، كبيرة كانت أم صغيرة، تسعى إلى عرقلة تحقيق مهمتها التاريخية.
وختامًا: من يجمع بين مفهوم الاشتراكية وأي شكل من أشكال الليبرالية، أو الديمقراطية، أو نظام مجالس المصانع، أو المحلية، أو التعددية الحزبية، أو الأسوء من ذلك، معاداة الأحزاب ، فإنه يضع نفسه خارج التاريخ، وبعيدًا عن الطريق المؤدي إلى إعادة تشكيل الحزم والمنظمة الأممية على أساس شيوعي شمولي.
العودة إلى «الأممية»
منذ صدور «بيان الحزب الشيوعي» عام 1848, الذي أغفل عنوانه عمدًا أي تحديدات وطنية، كانت الشيوعية والنضال من أجل التحول الثوري المجتمع، بحكم تعريفهما، دوليين وأمميين: “العمال لا وطن لهم” ؛ “إن العمل الموحد، على الأقل في البلدان المتحضرة، هو أحد الشروط الأولى لتحرير البروليتاريا”.
منذ تأسيسها في عام 1864, نصت «الجمعية الدولية للعمال» في «القواعد المؤقتة للجمعية» على أن «جميع الجهود التي تهدف إلى تلك الغاية العظمى [«التحرر الاقتصادي الطبقات العاملة »] قد باءت بالفشل حتى الآن بسبب الافتقار إلى التضامن بين فئات العمل المتعددة في كل بلد، وبسبب غياب رابطة أخوية توحد الطبقات العاملة في مختلف البلدان”, وأعلنت بقوة أن “تحرير العمال ليس مشكلة محلية ولا وطنية، بل مشكلة اجتماعية تشمل جميع البلدان التي يوجد فيها المجتمع الحديث، ويعتمد حلها على التوافق العملي والنظري بين البلدان الأكثر تقدمًا». في عام 1919، وُلدت «الأممية الشيوعية» من رحم النضال الطويل الذي خاضه اليسار الأممي العالمي لتحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية؛ وسواء كان ذلك في أكثر الجمهوريات ديمقراطية، أو في أكثر الإمبراطوريات إستبدادًا، أو في أكثر الملكيات دستورية وبرلمانية، فقد تبنّت على الفور قواعد الأممية الأولى وأعلنت أن «إن الأممية العمالية الجديدة قد أُنشئت لتنظيم العمل المشترك بين عمال مختلف البلدان، بهدف إسقاط الرأسمالية وإقامة دكتاتورية البروليتاريا وجمهورية سوفيتية دولية تقضي تمامًا على الطبقات وتحقق الاشتراكية، وهي المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي»، وأضافت أن «الجهاز التنظيمي للأممية الشيوعية، يجب أن يضمن للعمال في كل بلد فرصة تلقي أكبر قدر ممكن من المساعدة في أي لحظة من البروليتاريين المنظمين في البلدان الأخرى».
انقطع خيط هذا التقليد العظيم في الفترة ما بين الحربين بسبب مزيج من نظرية وممارسة «الاشتراكية في بلد واحد» إلى جانب استبدال دكتاتورية البروليتاريا بالنضال من أجل الديمقراطية ضد الفاشية. فقد قطعت السياسة الأولى الصلة بين مصير الثورة المنتصرة في روسيا والحركة البروليتارية الثورية في بقية العالم، وصاغت تطور هذه الأخيرة وفقًا لمصالح الدولة الروسية. أما السياسة الثانية، فقد قسمت العالم إلى دول فاشية وديمقراطية، وأمرت البروليتاريين الذين يعيشون تحت أنظمة شمولية بالقتال ضد حكوماتهم، ليس من أجل الإستيلاء الثوري على السلطة، بل من استعادة المؤسسات الديمقراطية والبرلمانية، في حين تم حث البروليتاريين الذين يعيشون تحت أنظمة ديمقراطية على الدفاع عن حكوماتهم، والقيام بذلك، إذا لزم الأمر، من خلال القتال ضد إخوانهم على الجانب الآخر من الحدود؛ وكانت النتيجة أن مصير الطبقة العاملة أصبح مقيدًا ب”أوطانها” ومؤسساتها البرجوازية.
كان تفكيك الأممية الشيوعية خلال الحرب العالمية الثانية النتيجة الحتمية لهذا الإنقلاب في العقيدة والاستراتيجية والتكتيكات. ومن المذبحة الامبريالية الأخيرة، ستنبثق دول في اوروبا الشرقية، ستعلن – رغم تسمية نفسها بالاشتراكية – “سيادتها” الوطنية وتدافع عنها بشراسة؛ حتى ضد دولها “الأخوية” المزعومة، التي تحرس حدودها بنفس الحماس الشديد. ورغم تعريفها لنفسها كأعضاء في «المعسكر “الاشتراكي”»، فإن التضاربات والتوترات الاقتصادية التي كانت لا تزال قائمة بينها ستصل مع ذلك إلى نقطة حرجة، بحيث لم يبق، على ما يبدو، سوى حلها من خلال استعمال القوة الغاشمة (كما في المجر وتشيكوسلوفاكيا). من ناحية أخرى، وحيثما تعذر التدخل العسكري، كانت تنشأ انشقاقات جذرية كما حدث في يوغوسلافيا والصين. وهكذا، كانت الأحزاب التي لم «تصل إلى السلطة» بعد تنتهي بالمطالبة ب«طريقها الوطني إلى الإشتراكية» (الذي أصبح بعد ذلك وسيلة فريدة للجميع للتخلي عن الثورة ودكتاتورية البروليتاريا، والالتزام التام بالإيديولوجية الديمقراطية والبرلمانية والإصلاحية). ولم يمض وقت طويل حتى شهدنا هؤلاء “الاشتراكيين” يدافعون بفخر عن استقلاليتهم عن الأحزاب “الاخوية” الأخرى، ليبرهنوا بذلك أنهم ورثة أنقى التقاليد السياسية والوطنية لبرجوازياتهم، مستعدين لالتقاط – حسب تعبير ستالين – الراية التي أسقطتها هذه البرجوازيات.
تصبح «الأممية»، في هذه الظروف، كلمة أكثر بلاغة وخالية من المضمون حتى من عبارة «الأخوية الدولية بين الشعوب»؛ وهو شعار رده ماركس في «نقد برنامج غوتا» بحدة في وجوه أعضاء الحزب العمالي الألماني باعتباره «مستعارًا من رابطة الحرية والسلام البرجوازية». لم يحدث أي تضامن دولي حقيقي منذ وقت طويل، ولا حتى في لحظات التوتر الشديد (مثل إضراب عمال المناجم في بلجيكا، وإضراب عمال الموانئ في إنجلترا، وثورات العمال السود في صناعة السيارات الأمريكية، والإضراب الفرنسي عام 1968، إلخ), ولا يمكن حتى أن يتحقق أي تضامن دولي طالما يعلن على أن كل حزب بروليتاري و “شيوعي” أن يحل مشاكله الخاصة بمفرده، وأنه «الوحيد القادر على حلها»؛ باختصار ، لا يمكن تحقيق أي تضامن دولي طالما ظل كل حزب، متحصنًا في زاويته “الخاصة” يتظاهر أنه بطل أمته، ومؤسساته وتقاليده الوطنية، واقتصاده الوطني، والمدافع عن “الحدود” الوطنية المقدسة. وعلى أي حال، ما فائدة الأممية التي ليست مجرد كلام بل «واقعية» (لينين), إذا كانت رسالة «الأحزاب الجديدة» إلى العالم هي التعايش السلمي وسباق تنافسي بين الرأسمالية و”الاشتراكية”؟
لن تظهر حركة بروليتارية متجددة بالكامل، مع الحفاظ على سماتها التاريخية المميزة السليمة، إلا بشرط الاعتراف بأنه لا يوجد في جميع البلدان سوى طريق واحد للتحرر، وأنه لا يمكن أن يكون هناك سوى حزب واحد، يجب أن تكون عقيدته ومبادئه وبرنامجه وقواعده العملية للعمل متكاملة وفريدة أيضًا. فالحزب، بدلًا من أن يسجد مزيجًا هجينًا من الأفكار المربكة والمتضاربة، يمثل «تجاوزًا واضحًا وعضويًا لجميع الدوافع الخاصة التي تنشأ عن مصالح بروليتارية معينة، مقسمة إلى فئات مهنية وتنتمي إلى أمم مختلفة، لتتحول إلى قوة تركيبية تعمل من أجل الثورة العالمية» (البرنامج السياسي، 1945).
إن تخلي الحركة الشيوعية عن واجباتها الثورية الدولية ينعكس ، بنفس الوضوح، في التخلي التام والمخزي عن المواقف الماركسية الكلاسيكية بشأن النضالات الانتفاضية للشعوب المستعمرة ضد الاضطهاد الإمبريالي. وفي حين اتخذت هذه النضالات طابعاً عنيفاً بشكل متزايد بعد الحرب العالمية الثانية، تم تسخير البروليتاريا في المراكز الإمبريالية لخدمة «إعادة الإعمار» البرجوازي بطريقة جبانة حقاً. في عام 1920، وفي مواجهة النضالات المسلحة للشعوب المستعمرة، التي كانت تهز الإمبريالية بالفعل في فترة ما بعد الحرب، حدد المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية والمؤتمر الأول للشعوب الشرقية المنظور العظيم لاستراتيجية عالمية واحدة، تجمع بين النزعة النهزامية للإنتفاضة الاجتماعية في العواصم الرأسمالية والتمرد الوطني في المستعمرات وشبه المستعمرات. وكان هذا التمرد الأخير، الذي قاده البرجوازية الإستعمارية الناشئة، يسعى الى تحقيق الهدف البرجوازي المتمثل في الوحدة الوطنية والاستقلال، ومع ذلك فإن تضافر القوى السياسية «وضع على جدول الأعمال دكتاتورية البروليتاريا في جميع أنحاء العالم»: فمن ناحية، كان التدخل النشط للأحزاب الشيوعية الناشئة، المستقلة سياسيًا وتنظيميًا، على رأس الجماهير الضخمة من العمال والفلاحين، ومن ماحية أخرى، هجوم البروليتاريا في المراكز الرأسمالية الكبرى على معاقل الاستعمار، سيخلقان إمكانية تجاوز الأحزاب الثورية الوطنية، وتحويل الثورات البرجوازية في الأصل إلى ثورات بروليتارية. ولا يتعارض أي من هذا مع مخطط الثورة الدائمة الذي حدده ماركس وطبقه البلاشفة في روسيا شبه الإقطاعية عام 1917.
لم يكن من الممكن إلا أن تكون النقطة المحورية لهذه الاستراتيجية، بل كانت بالفعل، هي البروليتاريا الثورية في البلدان «الأكثر تحضرًا»، أي الأكثر تقدمًا من الناحية الاقتصادية؛ لأن انتصارها وحده هو الذي سيمكن البلدان الأقل تقدمًا اقتصاديًا من التغلب على العائق التاريخي المتمثل في تخلفها. وبمجرد أن تصبح البروليتاريا في الدول الأم سيدة على وسائل الإنتاج بعد استيلائها على السلطة، يمكنها عندئذ دمج اقتصادات المستعمرات السابقة في «خطة اقتصادية عالمية»، والتي على الرغم من كونها موحدة مثل تلك التي تتجه إليها الرأسمالية بالفعل، فإنها ستختلف في أنها لن تكون لديها رغبة في القمع أو الغزو، ولا في الإبادة والاستغلال. وبالتالي فإن الشعوب المستعمرة، بفضل «إخضاع المصالح المباشرة للبلدان التي شهدت ثورات ناجحة للمصالح العامة للثورة في جميع أنحاء العالم »، ستصل الاشتراكية دون الحاجة إلى المرور بأهوال المرحلة الرأسمالية؛ التي ستكون أشد فظاعة بسبب الاضطرار إلى اتخاذ طرق مختصرة للوصول إلى مستوى يضاهي البلدان الأكثر تطورًا.
منذ أن حسم مصير الثورة الصينية في عامي 1926-1927, لم تترك الانتهازية حجرًا واحدًا قائمًا من هذا الصرح العظيم. وفي المستعمرات، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن ما يسمى بالأحزاب الشيوعية، بعيدًا عن أن «تضع نفسها في طليعة الجماهير المستغَلة» لتسريع الإنفصال عن الكتلة غير المتجانسة المكونة من عدة طبقات مجتمعة تحت راية الإستقلال الوطني، وضعت نفسها بدلاً من ذلك تحت تصرف البرجوازيات المحلية، وحتى الطبقات الإقطاعية والسلطات «المناهضة للإمبريالية»؛ إما ذلك، أو أنها عند توليها السلطة دافعت عن البرنامج السياسي الديمقراطية الدستورية والبرلمانية والتعددية الحزبية و “نسيت” أن تبرز مسألة الملكية؛ أو على الأقل مصادرة الأراضي الشاسعة دون تعويض (المرتبطة ارتباطًا جوهريًا بالملكية البرجوازية الصناعية والتجارية، ومن خلالها بالامبريالية). أما بالنسبة للبروليتاريا المحلية الشابة، المتمرسة في القتال والمتركزة للغاية، فلم تُقَدم أبدًا على أنها طليعة الجماهير الفلاحية وشبه البروليتارية، التي عاشت لقرون في بؤس مدقع، من أجل التخلص معًا من نير الرأسمالية.
وفي الوقت نفسه، في العواصم الإمبريالية، فقد تخلت الأحزاب الشيوعية عن مبادئ الثورة العنيفة ودكتاتورية البروليتاريا. ففي فرنسا، خلال الفترة الأخيرة من حرب الجزائر، وفي أمريكا خلال حرب فيتنام، انحدروا إلى مستوى أدنى من مستوى الإصلاحيين في الأممية الثانية، حيث اكتفوا بالدعوة إلى «السلام والمفاوضات» والمطالبة «بالاعتراف الشكلي والرسمي البحت والمساواة والاستقلال» للدول الناشئة من قبل حكوماتها؛ وهو نهج وصفته الأممية الثالثة بأنه شعار نفاق «البرجوازية الديمقراطية المتخفية في ثوب الاشتراكيين».
وكانت نتيجة هذا الفقدان التام للمنظور الماركسي المتمثل في «الثورتين المزدوجتين»، ولا تزال، هي إهدار الإمكانات الثورية الهائلة الكامنة في الانتفاضات الكبيرة التي غالبًا ما تكون دموية (والتي لطالما تحملت ملايين من البروليتاريين والفلاحين الفقراء عبء اغلبها): ففي البلدان التي اصبحت مستقلة رسميًا، تتولى السلطة برجوازيات فاسدة وجشعة وطفيلية، وهي، ادراكًا منها لخطر الجماهير المستغلة في المدن والريف، أكثر من مستعدة لتكوين تحالفات مع “العدو” السابق، أي الإمبريالية. وفي الوقت نفسه، فإن رأس المال في المراكز الإمبريالية القديمة، بعد أن أُجبر على التراجع مهانًا، يعود ببساطة إلى المستعمرات السابقة من الباب الخلفي، ويخرج سالمًا بفضل «المساعدات» والقروض والتجارة في المواد الخام والمنتجات المصنعة. وفي الوقت نفسه، فإن نتيجة شلل الحركة الثورية البروليتارية والشيوعية في معاقل الإمبريالية هي إعطاء مبرر تاريخي ظاهري للنظريات الماوية والكاستروية والغيفارية المنحطة، التي تشير إلى الثورات الوهمية والشعبية والفوضوية للفلاحين باعتبارها السبيل الوحيد لتجنب المستنقع العالمي للاصلاحية القانونية والسلمية. وقد حدث كل هذا كنتيجة حتمية للتخلي عن الطريق الرئيسي المؤدي الى الأممية.
ولكن مثلما أن يقدر للأممية (التي تخلت عنها الأحزاب المرتبطة بموسكو أو بكين) أن تبرز من جديد بفضل تجذرها في واقع اقتصاد ونظام تبادل يتزايدان عولمة، ومثلما أن «الرهن الوطني» (الذي عزز في المستعمرات الجبهة الموحدة لجميع الطبقات، وفرض التصنيع والتحولات السريعة في الهياكل السياسية والاجتماعية) يقترب من نهايته، فإن الحرب الطبقية ودكتاتورية البروليتاريا تعودان حتمًا وفي كل مكان إلى جدول الأعمال. وهذا يبرهن على أن واجب الحزب الشيوعي الأممي اليوم هو مساعدة الطبقات العاملة الناشئة في ما يسمى بالعالم الثالث على فصل مصائرها عن الطبقات الإجتماعية التي تمسك بزمام السلطة، من خلال الانفصال عنها نهائيًا، مما يمكنها من احتلال مكانها الذي نالته بشق الأنفس في جيش الثورة الشيوعية العالمي.
العودة إلى البرنامج الشيوعي
على الصعيد البرنامجي، يتميز مفهومنا للاشتراكية عن جميع المفاهيم الأخرى في أنه يفترض ضرورة حدوث ثورة عنيفة أولية، وتدمير جميع مؤسسات الدولة البرجوازية، وانشاء جهاز دولة جديد يوجه في الإتجاه المعاكس من قبل حزب واحد: ذلك الحزب الذي أعد الهجمات البروليتارية على النظام القديم وعززها وقادها حتى النصر.
ولكن، كما نرفض فكرة الإنتقال التدريجي والسلمي من الرأسمالية إلى الاشتراكية دون ثورة سياسية، أي دون تدمير الديمقراطية، فإننا نرفض أيضًا المفهوم الأناركي الذي يقصر مهام الثورة على الإطاحة بسلطة الدولة القائمة. وترى الماركسية الأرثوذكسية أن الثورة السياسية تمثل بداية حقبة اجتماعية جديدة، ولذلك من المهم إعادة تعريف مراحلها الرئيسية.
مرحلة الانتقال
تتميز هذه المرحلة سياسيًا بدكتاتورية البروليتاريا؛ واقتصاديًا باستمرار وجود أشكال مرتبطة أرتباطًا وثيقًا بالرأسمالية، أي التوزيع التجاري المنتجات، حتى وإن كان ذلك في إطار الصناعة الكبيرة، ووجود بعض الإنتاج الصغير في قطاعات معنية، لاسيما في الزراعة. ولا يمكن السلطة البروليتارية التغلب على هذه الأشكال إلا باتخاذ تدابير استبدادية، أي بإخضاع جميع القطاعات التي تتسم أصلًا بطابع اجتماعي وجماعي (الصناعة الكبيرة، والزراعة والتجارة، والنقل، إلخ) لسيطرتها، وبإنشاء شبكة توزيع واسعة النطاق مستقلة عن التجارة الخاصة، لكنها تظل، على الأقل في البداية، تعمل وفقًا لمعايير تجارية. إلا أن مهام الكفاح العسكري، في هذه المرحلة، تحظى بأولوية على إعادة التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، ما لم تتخلَّ الطبقة التي أُطيح بها بها داخليًا وتتعرض للتهديد خارجيًا عن المقاومة المسلحة، خلافًا لأي توقع منطقي.
وتتوقف مدة هذه المرحلة الانتقالية على كل من: 1) حجم الصعوبات التي ستخلقها الطبقة الرأسمالية للبروليتاريا الثورية، و2) حجم العمل المطلوب لإعادة التنظيم الاقتصادي. وسيكون هذا الأخير متناسبًا عكسيًا مع المستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي تم بلوغه في كل قطاع وفي كل بلد، وبالتالي سيكون أسهل في البلدان الأكثر تقدمًا.
المرحلة الدنيا من الاشتراكية (أو المرحلة الاشتراكية)
تستمد هذه المرحلة بشكل جدلي من المرحلة الأولى، وتتميز بالخصائص التالية: أصبحت الدولة البروليتارية الآن تسيطر على الناتج الإجمالي القابل للتبادل، رغم وجود قطاع إنتاج صغير تتيح هذه الظروف الانتقال إلى نظام توزيع غير نقدي، إلا أنه يظل خاضعًا لعملية التبادل؛ حيث إن توزيع المنتجات على المنتجين يعتمد على حجم العمل الذي أدوه، ويتم ذلك من خلال قسائم العمل التي تثبت ذلك. ويختلف هذا النظام اختلافًا جوهريًا عن الرأسمالية، التي ترتبط فيها دخول العمال المأجورين بقوتهم العاملة وتحفر فجوة شاسعة بين حياة الأفراد وثروة المجتمع. وذلك لأنه في ظل الاشتراكية، لن توجد عوائق بين الاحتياجات وتلبيتها، باستثناء التزام جميع الأفراد القادرين على العمل. ولأن كل مظهر من مظاهر التقدم الاجتماعي، التي يتحول في المجتمع الرأسمالي إلى قوة معادية للبروليتاريا، سيصبح على الفور وسيلة لتحرير الجنس البشري بأسره. ومع ذلك، سنظل بحاجة إلى التعامل مع بعض الأشكال الموروثة مباشرة من المجتمع البرجوازي: «إن نفس مقدار العمل الذي قدمه المنتج للمجتمع في شكل ما، يسترده في شكل آخر. ومن الواضح هنا أن المبدأ نفسه الذي ينظم تبادل السلع هو السائد، بقدر ما يكون هذا التبادل تبادلًا لقيم متساوية(…) ومن ثم، فإن الحق المتساوي هنا لا يزال من حيث المبدأ حقًا برجوازيًا، على الرغم من أن المبدأ والممارسة لم يعودا في تعارض، في حين أن تبادل المتكافئات في تبادل السلع لا يوجد إلا في المتوسط وليس في الحالة الفردية. وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يزال هذا الحق المتساوي يوصم باستمرار بقيود برجوازية. فحق المنتجين يتناسب مع العمل الذي يقدمونه» (كارل ماركس، نقد برنامج غوتا). وفوق كل شيء لا يزال العمل يظهر كقيد اجتماعي، مع ذلك فإنه يصبح أقل قمعية من تحسن ظروف العمل بشكل عام.
من ناحية أخرى، فإن حقيقة أن الدولة البروليتارية تمتلك وسائل الإنتاج تحت تصرفها تتيح (بعد القمع الشديد لجميع القطاعات الاقتصادية غير المفيدة أو المعادية للمجتمع، والذي بدأ بالفعل في المرحلة الانتقالية) تنمية متسارعة لتلك القطاعات التي اهملت في ظل الرأسمالية، وفي مقدمتها الإسكان والزراعة: علاوة على ذلك، فإنها تتيح إعادة تنظيم جغرافي لجهاز الإنتاج، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على التناقض بين المدينة والريف، وإلى تشكيل وحدات إنتاجية كبيرة على نطاق قاري. كما أن الاحتكار الفعلي الإنتاج الصناعي الذي تتمتع به الدولة البروليتارية سيجعل من مصلحة صغار المنتجين أن يندمجوا بشكل متزايد في أشكال الإنتاج الأكثر تطورًا وتركيزًا.
واخيرًا، تنطوي كل هذه التطورات على إلغاء الظروف العامة التي، من ناحية، تحصر الجنس الأنثوي في أعمال منزلية غير منتجة ومتواضعة، ومن ناحية أخرى، تقصر عددًا كبيرًا من المنتجين على الأنشطة اليدوية وحدها، مما يجعل العمل الفكري والمعرفة العلمية امتيازًا اجتماعيًا لطبقة واحدة فقط. وهكذا، فإن إلغاء العلاقات الطبقية المختلفة تجاه وسائل الإنتاج يرافقه أفق زوال التخصيص الثابت لمهام اجتماعية معينة لمجموعات بشرية معينة.
مرحلة الاشتراكية العليا (أو المرحلة الشيوعية)
وبقدر ما تؤدي الدولة هذه المهام، التي تدين لها بوجودها، فإنها تتجاوز وظيفتها التاريخية المتمثلة في منع وقمع محاولات العودة إلى الرأسمالية، وتبدأ بالتلاشي كدولة، أي كسلطة تحكم البشر، وتصبح مجرد جهاز لإدارة الشؤون. ويرتبط هذا الزوال باختفاء الطبقات الاجتماعية المتميزة، وبالتالي يتحقق عندما يتحول صغار المنتجين، من فلاحين وحرفيين، في النهاية إلى منتجين صناعيين بالكامل. وهكذا نصل إلى مستوى الشيوعية الأعلى الذي وصفه ماركس على النحو الآتي: «في مرحلة أعلى من المجتمع الشيوعي، بعد أن يزول الخضوع الاستعبادي للفرد لتقسيم العمل، ومعه التناقض بين العمل الفكري والجسدي؛ وبعد أن يصبح العمل ليس مجرد وسيلة للعيش بل الرغبة الأساسية للحياة؛ بعد أن تزداد القوى الإنتاجية هي الأخرى مع التطور الشامل للفرد، وتتدفق جميع ينابيع الثروة التعاونية بغزارة أكبر – عندها فقط يمكن تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي برمته، ويمكن للمجتمع أن بكتب على راياته: “من كل فرد حسب قدرته، وإلى كل فرد حسب حاجته!”.».
لا تنطوي هذه النتيجة التاريخية العظيمة على مجرد القضاء على التناقضات بين البشر، التي هي سبب قلقهم و «الانعدام الأمني العام والخاص الدائم» (بابوف) الذي هو نصيب البشرية في المجتمع الرأسمالي، بل هي أيضًا الشرط الأساسي للسيادة الحقيقية للمجتمع على الطبيعة، والتي وصفها إنجلز بأنها «الانتقال من عهد الضرورة إلى عهد الحرية» حيث سيصبح تطور القدرات البشرية ، بصفته نشاطًا إنسانيًا، غايةً في حد ذاته لأول مرة. وعندها أيضًا ستوفر الممارسة الاجتماعية نفسها الحل لجميع التناقضات في الفكر النظري التقليدي، «بين الوجود والجوهر، والتجسيد والتأكيد الذاتي، الحرية والضرورة، والفرد والجنس البشري» (ماركس), وستستحق الشيوعية عندئذٍ أخيرًا الوصف الذي اطلقه عليها مؤسسوا الاشتراكية العلمية باعتبارها «لغزًا حله التاريخ أخيرًا».
إعادة بناء الحزب الشيوعي على نطاق عالمي
لن تصبح إعادة بناء حزب سياسي بروليتاري على المستويين الوطني والدولي – حزب قادرًا حقًا على ضمان استمرارية الثورة السياسية – حقيقة تاريخية راسخة إلا إذا اتخذت قوى طليعة البروليتاريا في البلدان المتقدمة والمتخلفة المواقف الأساسية الموضحة أعلاه د. تتميز الشيوعية الأرثوذكسية عن جميع الأطياف المختلفة للتطرف اليساري، بدرجات متفاوتة، بإنكارها أن تطور المجتمع الحديث يمنع البروليتاريا من تشكيل حزب ثوري. وهي ترى أنه في المرحلة الحالية من الحكم الرأسمالي، التي تتسم بطابع فاشي إلى حد كبير، فإن القوانين التي استنفدت الصراعات السياسية بين الأحزاب البرجوازية لا تنطبق على البروليتاريا. بل إنها تؤكد على العكس من ذلك أن اختفاء أي معارضة حقيقية بين الجناحين اليساري واليميني الكلاسيكيين، وبين الليبرالية والسلطوية، وبين الفاشية والديمقراطية، هو بالذات ما يوفر أفضل أساس تاريخي لتطور حزب شيوعي وثوري حازم.
إن تحقق هذا الاحتمال لا يعتمد فقط على اندلاع أزمة صريحة لا مفر منها ، سواء كانت قصيرة أم طويلة وبأي شكل من الأشكال، بل يعتد أيضًا على التصاعد الموضوعي للصراعات الاجتماعية حتى خلال مراحل التوسع والازدهار. ومن يعبر عن أدنى شك في هذا الأمر، فإنه في الواقع يشكك أيضًا في الآفاق التاريخية للثورة الشيوعية. ويمكن تفسير مثل هذا الموقف بعمق الصدمة الناتجة عن انحطاط الأممية الثالثة، والحرب الإمبريالية الثانية، وامتداد الرأسمالية على نطاق عالمي وتوطيد أقدامها نتيجةً لذلك. إنه مجرد انعكاس للانتصار المؤقت لرأس المال في أذهان «حفاري قبوره». لكن بعيدًا عن منح الحياة الأبدية لهذا النظام، فإن انتصاره في الواقع يهيئ، من خلال حجزه، للانفجار الثوري الأكثر عنفًا في التاريخ.
ولكي يتطور الحزب، لا يمكنه الامتثال لنوع القواعد الشكلية التي دافعت عنها العديد من مجموعات المعارضة المناهضة للستالينية باسم «الديمقراطية المركزية». وذلك لأن هذه القواعد تستند إلى الاعتقاد بأن التوجه الصحيح للحزب يعتمد على حرية التعبير عن الفكر وارادة «القاعدة» البروليتارية، واحترام القواعد الديمقراطية والمعايير الانتخابية كوسيلة لتحديد من سيتولى أي مسؤوليات وعلى أي مستوى. ورغم أننا لا ننكر أن قمع حركات المعارضة والمخالفات الإجرائية ساهمت بالفعل في تصفية التقاليد الشيوعية الثورية (في روسيا وأماكن أخرى)، فقد عرّف حزبنا دائمًا هذه التصفية بأنها في جوهرها تصفية لبرنامج وتكتيك. والعودة المحتملة إلى المعايير التنظيمية السليمة، كما يأمل التروتسكيون، ما كانت لتسهم كثيرًا في منع ذلك. وبنفس الطريقة، بدلًا من الاعتماد على لوائح تنطوي على استخدام واسع النطاق ومنتظم للآلية الديمقراطية، نضع ثقتنا في تعريف لا لبس ولا هوة فيه للوسائل والغايات للنضال الثوري.
يجب على الحزب أن ينشئ اجهزته الداخلية من خلال اختيار أولئك الذين أظهروا بوضوح أنهم سينفذون «عقيدته» دون تردد؛ وإلا فإنه لن يكون حزبًا. وعلى أي حال، فإن عملية الاختيار هي الأمر المهم، وليس نموذج تمثيليًا ما للعمل الداخلي. هذا هو، إذن، مضمون صيغة «المركزية العضوية» التي طالما وضعها حزبنا مقابل الصيغة المعاكسة لها «المركزية الديمقراطية». تركز المركزية العضوية على العنصر الأساسي الوحيد حقًا: احترام البرنامج، لا احترام الأغلبية؛ واحترام التقاليد التاريخية والأيديولوجية للحركة لا احترام الآراء الفردية. وتماشيًا مع هذا المفهوم، توجد بنية داخلية سيصفها المؤيدون المتعصبون للحرية الفردية والجماعية بأنه دكتاتورية اللجان، أو حتى الأفراد، لكنها تحقق جوهريًا الشرط الذي لا غنى عنه لوجود الحزب كمنظمة ثورية: ألا وهو دكتاتورية المبادئ. وفي ظل سريان مثل هذه الشروط ، يتحقق انضباط القاعدة تجاه قرارات المركز بأقل قدر من الاحتكاك، في حين لا تصبح دكتاتورية الافراد ضرورية إلا عندما تنفصل تكتيكات الحزب عن البرنامج، مما يؤدي إلى توترات وصراعات لا يمكن تسويتها إلا عن طريق تدابير تأديبية؛ كما حدث بالضبط في الأممية، حتى قبل انتصار ستالين.
لطالما اتسم التطور التاريخي للحزب الطبقي بانتقال الطليعة البروليتارية من ميدان الحركات العفوية، الناشئة عن مصالح جزئية وجماعية، إلى ميدان العمل البروليتاري الشامل. ولا تتحقق هذه النتيجة بإنكار هذه الحركات الأولية، بل على العكس، من خلال ضمان مشاركة الكيان الحزبي، مهما كان صغيرًا، بشكل فعالفي النضالات المادية للبروليتاريا. لذلك لا يمكن فصل عمل الدعاية الأيديولوجية والتبشير، الذي يأتي بشكل طبيعي في اعقاب المرحلة الجنينية للتوضيح الأيديولوجي، عن المشاركة في الحركات الاقتصادية. وفي حين لا يمكن أبدًا اعتبار “مكاسب” النقابات هدفًا نهائيًا، فإن المشاركة فيها مهمة لسببين: 1) لتحويل هذه الحركات إلى وسيلة لاكتساب الخبرة والتدريب اللذين لا غنى عنهما واللازمين للتحضير الثوري الحقيقي، من خلال الانتقاد اللاذع للتنبؤات والافتراضات والأساليب التي تتبعها النقابات والأحزاب الداعية للتعاون الطبقي التي تسيطر عليها، و 2) في مرحلة اكثر تقدمًا، لتحقيق توحيدها وتجاوزها الثوري نتيجة للتجربة الحية، من خلال دفعها نحو تحقيق اهدافها بشكل كامل وشامل.
على مدى العقود الماضية، أصبحت النقابات الرسمية أكثر وأكثر مناعة أمام جميع محاولات توحيد النضالات وتعميمها، وأكثر مقاومة لمطالب واحتياجات القاعدة النقابية. نتيجة لذلك، كانت أفضل النضالات وأكثرها فاعلية هي تلك التي انطلقت ونفذت خارج نطاق سيطرة الاتحادات النقابية الكبرى. وتشكل المنظمات التي ولدت من رحم هذه النضالات ثروة من الخبرات التي دعمها الحزب، ولا يزال يدعمها، بكل الوسائل، وهي تجربة قيمة البروليتاريين. وفي حين لا يمكن استبعاد إمكانية قيام الطبقة العاملة بإعادة توجيه سياسة النقابات الرسمية على أسس طبقية (على سبيل المثال، في لحظة الاضطرابات العمالية واسعة النطاق والحركات الاقتصادية الكبرى) إلا أن تلك المنظمات تبدو في الوقت الحاضر كوكالات تابعة للدولة البرجوازية اكثر من كونها أجهزة بروليتارية للنضال الاقتصادي.
في الوقت الحاضر، توجد كل مشكلة تتعلق بتطور الحزب في السياق التاريخي لأزمة أيديولوجية وعملية غير مسبوقة في الحركة الإشتراكية الدولية. ورغم أن هذا هو الحال بالتأكيد، فإن التجربة السابقة كافية مع ذلك لإثبات قاعدة: لا يمكن تحقيق إعادة بناء القوة الهجومية للطبقة العاملة من خلال تعديل الماركسية أو تحديثها، وبالتأكيد ليس من خلال “خلق” عقيدة يزعم أنها جديدة. بل لا يمكن أن تكون إلا ثمرة إستعادة البرنامج الأصلي؛ ذلك البرنامج الذي تمسك به البلاشفة في مواجهة انحرافات الأممية الثانية، والذي كفلت اليسار الماركسي الإيطالي استمراريته في مواجهة انحرافات الأممية الثالثة. أينما ومتى ما عاودت الشيوعية الظهور مرة أخرى، وفي أي وقت كان، سواء عاجلًا أم آجلًا، فإن الحركة الدولية في المستقبل ستكون حتمًا نقطة الوصول التاريخية للمعركة التي خاضها هذا التيار، ومن المرجح أن يلعب دورًا رئيسيًا على الصعيد المادي أيضًا. ولهذا السبب، لا يمكن لإعادة تشكيل الأممية الجنينية في المرحلة الحالية إلا أن تتخذ شكلًا واحدًا: الالتزام ببرنامج ونشاط الحزب الشيوعي الأممي، وإقامة روابط تنظيمية معه تتوافق مع مبادئ المركزية العضوية، خالية من أي شكل من أشكال الديمقراطية الشكلية.
بالنسبة لمجتمع اليوم، تعد الشيوعية ضرورة مطلقة وعالمية، عاجلًا أم آجلًا، ستشن الجماهير البروليتارية مرة أخرى هجومًا على حصون الرأسمالية في موجة ثورية هائلة. ولا يمكن تدمير هذه الحصون وانتصار البروليتاريا إلا إذا تعمق الإتجاه نحو إعادة تشكيل الحزب الطبقي وانتشر في جميع أنحاء العالم. إن تشكيل الحزب العالمي للبروليتاريا هو هدف كل من يريد انتصار الثورة الشيوعية، والقوى المتحدة البرجوازية الدولية تقاومه بالفعل.